محمد بن جرير الطبري
354
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عنه ، فقال : " قل إصلاح لهم خيرٌ " ، يصلح له ماله وأمره له خيرٌ ، وإن يخالطه فيأكل معه ويطعمه ويرْكب راحلته ويحمله ويستخدم خادمه ويخدمه ، فهو أجودُ " والله يعلم المفسدن من المصلح " . 4196 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ " إلى " إن الله عزيز حكيم " ، وإن الناس كانوا إذا كان في حِجْر أحدهم اليتيمُ جعل طعامه على ناحية ، ولبنه على ناحية ، مخافة الوِزر ، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْد ، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدمًا لليتامى ، فقال الله : " قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم " إلى آخر الآية . 4197 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " ويسألونك عن الناس " ، كانوا في الجاهلية يعظِّمون شأنَ اليتيم ، فلا يمسُّون من أموالهم شيئًا ، ولا يركبون لهم دابة ، ولا يطعمون لهم طعامًا . فأصابهم في الإسلام جَهْدٌ شديد ، حتى احتاجوا إلى أموال اليتامى ، فسألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم عن شأنِ اليتامَى وعن مخالطتهم ، فأنزل الله : " وإن تخالطوهم فإخوانكم " ، يعني " بالمخالطة " : ركوب الدابة ، وخدمة الخادم ، وشربَ اللبن . * * * قال أبو جعفر : فتأويل الآية إذًا : ويسألك يا محمد أصحابك عن مال اليتامى ، وخلطهم أموالهم به في النفقة والمطاعمة والمشاربة والمساكنة والخدمة ، فقل لهم : تفضُّلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم - من غير مَرْزِئة شيء من أموالهم ، ( 1 ) وغير أخذ عوض من أموالهم على إصلاحكم ذلك لهم - خيرُ لكم عند الله وأعظمُ
--> ( 1 ) يقال : " رزأه في ماله رزءًا ( بضم فسكون ) ومرزئة ( بفتح الميم وسكون الراء وكسر الزاي ) : أصاب منه خيرًا ما كان ، فنقص من ماله .